أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي

100

معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب

فأكل الفلاح من القفتين أكلا ذريعا « 1 » . قال الناذر في نفسه : هذا يأكل مثل ثوري الأسود ، أو نحو ذلك من الكلام . ففي الحال ترك الفلاح الأكل وقام مغضبا . فخرج الشيخ بعد ساعة ، فغضب حين لم يجد الفلاح . قال : هل قال له أحد منكم كلام سوء ؟ قالوا : لا واللّه يا مولانا . قال حينئذ : لماذا ذهب ؟ والشيخ في غاية الغضب . ثم بعد عشر سنوات توجه الناذر إلى الحج ، فنام في الطريق ، واستيقظ ، فوجد الركب توجه ، ولم يعلم له مقرا ولا مستقرا . فأخذ ينوح ويبكي على نفسه ، حتى جاءه راكب ناقة ، فأركبه وراء ظهره ، حتى أوصله إلى القافلة . قال له : سألتك باللّه من أنت ؟ قال : أنا ثورك الأسود ! قال : يا سيدي ، أنا لا أفهم معنى هذا الكلام ! قال : أنا الخضر ، كنت جئت إلى زيارة الشيخ أحمد ، وأكلت من القفتين ، فقلت ما قلت . قال : يا سيدي التوبة ، نعم أنا قلت يا سيدي ، أنتم أهل العفو بعد القدرة . قال : عفونا . وأخبرني والدي أن أحمد أفندي الأنصاري كان في خدمة الشيخ أحمد . قال له الشيخ : يا منلا أحمد ، مالك قدرة على سلوك طريقنا الموت الأسود . لكن اذهب إلى دار السلطنة ، يحصل لك نعم كثيرة . فتوجه إلى أن صار قاضيا بالعساكر . وكان الشيخ أحمد المسطور يطعم الواردين في اليوم مقدار نصف مكوك « 2 » حنطة . وكان له أربع زوجات ونحو عشرة أولاد . وكان دائما يعمر الجسور . ومع هذا ما قبل من بيت مال المسلمين درهما واحدا . وكان يقول : أخذ أموال الحكام وأموال بيت المال سم قاتل للمريدين . كل من يتناول منها شيئا انتقص حاله / ، بل ذهب هباء منثورا . وكان أسلوبه : يصلي الفجر بغلس ، ويستمرّ يقرأ أوراده

--> ( 1 ) الذريع : السريع الفظيع . ( 2 ) المكوك : مكيال يسع صاعا ونصف صاع ، أو نحو ذلك .